تم نسخ رابط التدوينة بنجاح! 📜
 |
| "الوجه الآخر للعملة: لماذا تفشل مصر؟ وكيف يدعم النظام العالمي هذا الفشل؟" |
كتب - محمد عنان
إذا كنا قد شخصنا في مقالنا السابق ("
لماذا تفشل الأمم؟") كيف تقوم "المؤسسات الاستخراجية" بهندسة الفقر من الداخل لسحب ثروات الشعوب لصالح نخبة حاكمة، فإن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: لماذا يدعم النظام العالمي هذه الأنظمة الفاشلة؟ ولماذا تُغدق عليها القروض والتمويلات رغم علم المؤسسات الدولية بفسادها وغياب الشفافية؟
أكتب إليكم اليوم لأربط خيوط اللعبة ببعضها. فالفشل الداخلي لا يعيش طويلاً إلا إذا كان مدعوماً بـ "طرف ثالث" خارجي يستفيد منه. وهنا نعود إلى كتاب آخر بالغ الأهمية لطالما حذرتُ مما جاء فيه منذ عام 2011، وهو كتاب "
اعترافات قاتل اقتصادي" (Confessions of an Economic Hitman) للكاتب الأمريكي جون بيركنز.
"مصر في مربع الفشل.. صناعة سياسية بامتياز!"
هذا المقال هو الوجه الآخر للعملة؛ الوجه الذي يكشف كيف تتحالف "الرأسمالية العالمية" والمصالح الجيوسياسية مع "الاستبداد المحلي" لضمان بقاء أممنا في ذيل القائمة، وكيف تحولت الحروب من دبابات ومدافع إلى جداول ديون، وحزم تمويل، ومشاريع وهمية!
📌
ملاحظة للقارئ: لفهم الصورة الكاملة، يُنصح بقراءة هذا المقال بالتزامن مع مقالنا السابق "لماذا تفشل الأمم؟" ومراجعة أرشيف المدونة لعام
2011 عن القتلة الاقتصاديين.
تطور الحروب.. من الغزو العسكري إلى "الاحتلال الاقتصادي"
لقد تغيرت عقيدة الحروب وتطورت بشكل مرعب. في الماضي، كان الاستعمار يرسل جيوشه وأساطيله لاحتلال الدول ونهب ثرواتها، وهي طريقة أصبحت مكلفة جداً، وتواجه بمقاومة شعبية شرسة، وتُرفض من المجتمع الدولي.
لذلك، سأل مهندسو النظام العالمي الجديد أنفسهم: لماذا نخوض حرباً عسكرية مكلفة، بينما يمكننا ببساطة دعم (نظام محلي استبدادي) ينفذ لنا كل أداتنا طواعية دون أن نطلق رصاصة واحدة؟
هنا وُلد مفهوم "الاحتلال الاقتصادي". السلاح الجديد لم يعد الطائرات، بل "القروض، ومؤسسات التصنيف الائتماني، وصندوق النقد الدولي". والجنود لم يعودوا مشاة ببدلات عسكرية، بل قتلة اقتصاديون يرتدون بدلات أنيقة، يقنعون حكام الدول النامية بتوريط بلادهم في ديون فلكية لا يمكن سدادها أبداً.
هندسة "الفشل" من الخارج: آليات الدعم والتمويل
يسأل السائل: كيف يتم دعم هذا الفشل واستمراره عملياً؟ الإجابة تكمن في آليات مالية، سياسية، واستراتيجية منظمة، تُقَدَّم من دول وحكومات ومؤسسات دولية، تجعل من الدعم الخارجي شريان الحياة الأهم للنظام:
القروض والتمويل متعدد الأطراف (سلاح صندوق النقد):
تلعب مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي دوراً محورياً عبر تقديم حزم تمويلية ضخمة (تصل لعشرات المليارات) مشروطة بإصلاحات اقتصادية هيكلية (مثل تعويم العملة، الخصخصة، ورفع الدعم). تعتبر هذه القروض "شهادة ثقة" دولية تمنح السوق العالمي تفاؤلاً مؤقتاً بالوضع الاقتصادي، مما يسمح للنظام بالاستمرار في الاقتراض وسد الفجوات التمويلية العاجلة، حتى لو لم يتم حل الأزمات الجذرية.
الدعم الثنائي المباشر والاستثمارات السياسية (دور الخليج):
تقدم دول الخليج (خاصة الإمارات والسعودية وقطر) دعماً هائلاً وحيوياً عبر عدة طرق:
- ودائع في البنك المركزي: للحفاظ على استقرار سعر صرف الجنيه ومنع انهياره الكلي المفاجئ.
- صفقات استثمارية كبرى: مثل صفقة "رأس الحكمة" مع الإمارات، والتي ضخت سيولة دولارية فورية ضخمة لإنقاذ الموقف المالي للنظام.
- المساعدات النفطية والمنح المباشرة.
الشراكات الاستراتيجية والتمويل الأوروبي:
يوقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات "شراكة استراتيجية" (مثل الاتفاق الأخير بقيمة 8 مليارات دولار) تشمل قروضاً ميسرة ومنحاً واستثمارات. يوجه جزء من هذا التمويل صراحة لملفات محددة تهم أوروبا بأي ثمن، مثل مكافحة الهجرة غير النظامية وأمن الحدود.
المساعدات العسكرية الثابتة (الولايات المتحدة):
تستمر الولايات المتحدة في تقديم مساعدة عسكرية سنوية ثابتة (1.3 مليار دولار) منذ اتفاقية كامب ديفيد، مما يضمن استقرار المؤسسة العسكرية ودورها المحلي والإقليمي بما يخدم المصالح الأمريكية.
تقاطع المصالح: عندما يلتقي "المستبد" بـ "القاتل الاقتصادي"
يشرح "دارون أسيموغلو" أن النخب الاستخراجية تبني "مشاريع الأفيال البيضاء" (القصور، ناطحات السحاب، العواصم الوهمية، والجسور التي لا تؤدي لشيء) للتباهي ولتوزيع العقود على محاسيبها لضمان الولاء.
وهنا يتدخل جون بيركنز (القاتل الاقتصادي) ليكشف السر من الجانب الغربي: نحن من نشجعهم على ذلك ونموله!
يتم إقناع قادة الدول النامية باقتراض مليارات الدولارات لمشاريع بنية تحتية عملاقة لا يحتاجها المواطن البسيط، ولا تدر أي عائد إنتاجي حقيقي، بل تفيد فقط الشركات الأجنبية والنخب المحلية، بينما يتحمل المواطن البسيط وأجياله القادمة عبء سداد قروض لم يستفد منها بقرش واحد!
div style="font-size: x-large; font-weight: bold;">"السكوت جريمة.. تصفية مقدرات مصر لم يعد وجهة نظر!"
الحالة المصرية: الحاكم كـ "وكيل تفليسة" لصالح الخارج
وما نراه الآن في مصر هو التجسيد الحي، والأكثر ألماً ووضوحاً، لهذا "الاحتلال الاقتصادي" المدعوم دولياً. لم يعد النظام الحاكم يدير الدولة لصالح "رفاهية الشعب"، ولا يخطط لـ "مستقبل الأمة"، بل تحول حرفياً إلى دور "وكيل تفليسة" يعمل لصالح الخارج والدائنين.
عندما تعجز الدولة (ذات المؤسسات الاستخراجية الفاشلة) عن سداد ديون المشاريع الوهمية التي تورطت فيها، يتدخل "الطرف الثالث" ليجني ثمار احتلاله الاقتصادي، ويفرض شروطه السيادية، وهو ما نعيشه اليوم واقعاً مراً:
- بيع أصول الدولة: تصفية ممتلكات تاريخية، وشركات رابحة، وأراضٍ سيادية لسداد ديون كان من الممكن تجنبها. (وكما ذكرت سابقاً: مفيش دولة محترمة في العالم بتقيس نجاحها ببيع ممتلكاتها!).
- الخصخصة الإجبارية واحتكار الموارد: تسليم مقدرات الشعب الحيوية لشركات أجنبية وصناديق سيادية خارجية، لتصبح إيرادات الدولة مرهونة للخارج.
- التبعية السياسية المذلة: التنازل عن الأمن القومي، والرضوخ للإملاءات الخارجية في السياسة الإقليمية، أو التنازل عن أراضٍ وجزر استراتيجية، وفتح البلاد للقواعد والتسهيلات العسكرية مقابل البقاء في السلطة.
النظام هنا لا يكترث بانهيار الطبقة المتوسطة أو جوع الفقراء، لأن بقاءه لم يعد مستمداً من "الرضا الشعبي"، بل من "الرضا الخارجي" الذي يضمن له الحماية طالما أنه مستمر في بيع مقدرات الوطن.
لماذا يُسمح له بالاستمرار؟ (دوافع وحسابات القوى الخارجية)
لا ينبع الدعم الخارجي المستمر من رغبة بريئة في "هندسة الفشل" لذاته، بل من حسابات دقيقة للمصالح الاستراتيجية لتلك القوى ( Too big to fail). هم يرون أن بقاء الوضع القائم (Status Quo) -على علاته وبؤسه- أفضل بكثير من البدائل المحتملة، وذلك للأسباب التالية:
الاستقرار الإقليمي والأمن (المصالح الأمنية):
تعتبر مصر دولة "أكبر من أن يُسمح بانهيارها". انهيار دولة بحجم مصر (أكثر من 110 مليون نسمة) سيخلق فوضى عارمة لا يمكن السيطرة عليها في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط. كما تلعب مصر دور الوسيط الضروري والوحيد في ملفات حيوية مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والأزمات في ليبيا والسودان.
ملف الهجرة والأمن الأوروبي (الحارس):
بالنسبة لأوروبا، يعتبر النظام المصري "حارساً" فعالاً للحدود الجنوبية. يخشى الأوروبيون أن أي اضطراب سياسي أو انهيار اقتصادي كامل سيدفع ملايين المهاجرين واللاجئين نحو الشواطئ الأوروبية، وهو كابوس سياسي وأمني لهم.
تأمين الممرات البحرية وحركة التجارة (قناة السويس):
يُعد استقرار مصر ضمانة لسلامة الملاحة في قناة السويس، وهي شريان حيوي وأساسي للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
غياب البديل السياسي الجاهز والمرضي:
ترى القوى الدولية والإقليمية أن البديل الحالي للنظام القائم غير واضح، أو قد يكون غير مرغوب فيه إطلاقاً (مثل عودة تيار الإسلام السياسي أو الفوضى المسلحة). لذا، فإن دعم النظام الحالي يعتبر خياراً "آمنًا" لضمان الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
المصالح الاقتصادية وطويلة المدى (الاستحواذ على الأصول):
بالنسبة لدول الخليج والمستثمرين الدوليين، تعتبر الأزمات المالية فرصاً ذهبية للاستحواذ على أصول حيوية في مصر (عقارات، موانئ، شركات رابحة) بأسعار بخسة، كجزء من استراتيجية لتحقيق عوائد ضخمة وبعيدة المدى في سوق استهلاكي ضخم.
هذه الحقائق المجردة هي ما تصفع المخدوعين بشعارات الغرب؛ فالمؤسسات الدولية التي تتغنى بالديمقراطية هي أول من يحارب الديمقراطية الحقيقية (المؤسسات الشاملة) في منطقتنا. ففي ظل المؤسسات الشاملة، يحاسب الشعب ويرفض التبعية، بينما في ظل المؤسسات الاستخراجية، يكفي إرضاء شخص واحد لتأمين كل هذه المصالح الخارجة على حساب الشعب.
وهم "الإصلاح" وخلاصة القول
إن بقاء دولنا في مربع الفشل والتخلف ليس مصادفة، وليس نقصاً في العقول أو الموارد، بل هو نتاج تحالف شيطاني بين لصوص الداخل وقراصنة الخارج. وما يسمى بـ "روشتة صندوق النقد الدولي" أو "حزم الدعم" ليست إصلاحاً، بل هي الأدوات التنفيذية للاحتلال الاقتصادي، تهدف لشفط ما تبقى من سيولة في يد المجتمع لضمان سداد فوائد القروض الخارجية، وترحيل الأزمة للمستقبل بعد رهن القرار السيادي للأجيال القادمة.
لن ينجح أي إصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي جذري يعيد القرار للشعب. والوعي هو أول خطوة نحو التحرر.. والسكوت على تصفية مقدرات الأمة جريمة لا تغتفر!
"الحروب تغيرت.. لم يعد المستعمر يرسل دباباته لاحتلالك، بل يرسل قروضاً ويصنع طاغية محلياً يدير الدولة كـ(وكيل تفليسة) لبيع أصولها لصالح الخارج، بدلاً من العمل لرفاهية شعبه ومستقبله!وأقرأ
الانضمام إلى المحادثة