𓅃 عدسة المعرفة

نيوتن قال 2060… والسياسة تختبر الطريق إلى الهاوية قراءة في رسالة إسحاق نيوتن عام 1704 بين نبوءة النهاية وانهيار النظام الدولي || ما القصة ؟!

من إعداد - محمد عنان 

في التصور الإسلامي، مسألة نهاية العالم ليست مجالًا للتخمين الزمني ولا للحسابات الرقمية، بل قضية عقدية غيبية محسومة الأصل، مجهولة التوقيت. القرآن حسمها بوضوح قاطع:
{قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}
فلا نبي مُرسل، ولا مَلَك مقرّب، ولا عالم، مهما بلغ علمه، يملك علم الساعة أو تاريخ انتهائها.
القرآن يضع الإنسان أمام حقيقة صادمة: الجهل بموعد النهاية مقصود بذاته، لأنه جزء من الامتحان.
{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}
أي أن الإخفاء هنا ليس نقصًا في البيان، بل حكمة إلهية: لو عُرف الموعد لانتهى معنى الابتلاء، ولسقط التكليف، ولتحولت العبادة إلى سلوك انتهازي مؤجل.
الإسلام لا ينفي وقوع النهاية، لكنه ينفي حق البشر في توقيتها.
ولهذا جاءت النصوص حاسمة:
الساعة حق.
أشراطها حق.
لكن زمنها مغلق، ومَن يدّعي فتحه كاذب أو متوهم.
السيوطي – رحمه الله – وهو من أكثر العلماء اطلاعًا على النصوص والآثار، شدد بوضوح على أن كل من حدّد زمنًا لنهاية العالم فقد تجرأ على الغيب، وأن ما ورد من حسابات أو إسقاطات رقمية لا يرقى أبدًا إلى علمٍ يُبنى عليه يقين، بل يدخل في باب الظن الذي نهى الله عن اتباعه في الغيبيات. الغاية من ذكر العلامات ليست “تحديد الساعة”، بل كشف المسار: انحراف، فساد، طغيان، ثم تصحيح إلهي شامل.
من هذا المنطلق، ينظر الإسلام بعين ناقدة لأي محاولة بشرية – دينية كانت أو علمية – لتحديد تاريخ نهاية العالم. لا لأن أصحابها أشرار بالضرورة، بل لأن المنهج نفسه خاطئ:
الغيب لا يُفك بالرياضيات، ولا يُستخرج من الرموز، ولا يُؤخذ من إسقاط النصوص على التواريخ.
ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند تجربة إسحاق نيوتن. ليس بوصفه “نبيًا علميًا”، ولا صاحب كشف غيبي، بل نموذجًا لعقل غربي حاول الجمع بين الإيمان والعلم، ثم وقع – رغم عبقريته – في الفخ نفسه الذي حذّر منه القرآن: محاولة اقتحام الغيب بأدوات بشرية.
المقال التالي لا يناقش نهاية العالم من زاوية التصديق أو التكذيب، بل من زاوية أعمق:
كيف يفكر العقل الغربي حين يقترب من الغيب؟
وكيف يختلف جذريًا عن المنهج الإسلامي الذي يفصل بين الإيمان بالحدث والسكوت عن توقيته؟

وهنا تبدأ القصة.

في مخطوطاته اللاهوتية، وصف إسحاق نيوتن نهاية العالم بأنها فترة من الكوارث والدمار للأمم الشريرة، متوقعاً أن تبدأ حقبة جديدة في حوالي عام 2060، ليس كحقيقة مطلقة بل كتحذير من التكهنات المتهورة، مستنداً إلى تفسيراته للنصوص الكتابية التي ربط فيها بين رموز زمنية (1260 يومًا) وتاريخ ديني معين، مما يوضح رؤيته للعلم والدين كمسارين لفهم الحقيقة الإلهية.

نهاية العالم في رؤية نيوتن (مقتطفات من مخطوطاته):
كتب السير إسحاق نيوتن تنبؤاً مشؤوماً على ورقة صغيرة فوق سلسلة من الحسابات الرياضية منذ أكثر من 300 عام، مصرحاً بأن العالم كما نعرفه سينتهي في عام 2060.

التوقيت (2060): استنتج نيوتن أن نهاية "أيام الوحوش" - التي يفسرها على أنها فترة فساد للمؤسسات الدينية - ستكون في عام 2060، مستندًا إلى حسابات تبدأ من عام 800 ميلادي (تتويج شارلمان) وتضيف إليها 1260 عاماً (رمزية لـ 1260 يوماً).

الطبيعة: توقع كوارث وحروب تُمهد لـ "دمار الأمم الشريرة" قبل أن يعود المسيح لإقامة "مملكة سلام" تدوم ألف عام، بحسب التفسير المشترك لمخطوطاته ودراساته.
الهدف من التنبؤ: أكد نيوتن أنه لم يذكر هذا التاريخ لكي يؤكد موعداً نهائياً، بل لوضع حد للتكهنات العشوائية التي تضعف مصداقية النبوءات الدينية، معتبراً أن هذه الحسابات هي "حد للتكهنات المتهورة".

منهجية نيوتن: كان يرى العلم والدين متكاملين، يستخدم الرياضيات لفهم القوانين الإلهية والرموز في الكتاب المقدس، فكان فيلسوفاً طبيعياً يبحث عن "حقيقة الله" في الطبيعة والنصوص المقدسة، لا مجرد عالم فيزياء حديث.

ملخص رؤية نيوتن: لم يقدم نيوتن نبوءة دقيقة بل تفسيراً لاهوتياً للأحداث المستقبلية، مؤكداً أن هذه الفترة ستكون بداية تحول روحي عظيم، وأن الحقيقة الإلهية تتجلى في تعقيد الكون وفي النصوص المقدسة معاً.

تنبأ السير إسحاق نيوتن، العالم الشهير المعروف بصياغة قوانين الحركة والجاذبية، بأن العالم كما نعرفه سينتهي في عام 2060.
كان نيوتن، العالم الشهير المعروف بصياغته لقوانين الحركة والجاذبية، مسيحيًا متدينًا يؤمن بالرؤى الكتابية لنهاية العالم.

كتب نيوتن هذا التحذير المشؤوم على ورقة صغيرة فوق سلسلة من العمليات الحسابية الرياضية منذ أكثر من 300 عام.
كان يؤمن بالرؤى الكتابية لنهاية العالم - وتحديداً معركة هرمجدون - واستند في تنبؤه على تفسيره البروتستانتي للكتاب المقدس والأحداث التي تلت التاريخ الكتابي.
هذه الحرب المتنبأ بها موصوفة في الفصل الأخير من سفر الرؤيا، وتضع قوى الخير (بقيادة الله) في مواجهة قوى الشر (بقيادة ملوك الأرض).
يذكر الكتاب المقدس أن هذه المعركة ستشكل نهاية العالم، مما يبشر بعهد جديد من السلام الذي جلبه الله.
استخدم نيوتن الرياضيات والتواريخ في التاريخ التوراتي للوصول إلى نهاية العالم، مستخدماً الأيام المذكورة في الكتاب المقدس كسنوات لتفسير النبوءة.
بالنسبة له، مثلت هذه الفترات الزمنية (وخاصة 1260 عامًا) الفترة الزمنية للتخلي عن الكنيسة وظهور الديانات التثليثية "الفاسدة"، وعلى رأسها الكاثوليكية التي ينظر إليها بعض البروتستانت على أنها طائفة.
درس نيوتن التاريخ لتحديد التاريخ الدقيق لبدء هذا التخلي رسميًا، واستقر على عام 800 ميلادي: وهو العام الذي تأسست فيه الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وبجمع عام 800 ميلادي مع عام 1260، توصل نيوتن إلى عام 2060.
وجاء في رسالة عام 1704: "إذن فإن الزمن والوقت ونصف الزمن يساوي 42 شهرًا أو 1260 يومًا أو ثلاث سنوات ونصف، مع احتساب اثني عشر شهرًا في السنة و30 يومًا في الشهر كما كان يتم في تقويم السنة البدائية".
"وإذا ما تم تحديد أيام الوحوش قصيرة العمر بسنوات الممالك التي عاشت، فإن فترة 1260 يومًا، إذا ما تم تأريخها من الغزو الكامل للملوك الثلاثة عام 800 ميلادي، ستنتهي عام 2060 ميلادي. قد تنتهي لاحقًا، لكنني لا أرى سببًا لانتهاءها في وقت أقرب."
قال ستيفن د. سنوبيلين، أستاذ تاريخ العلوم والتكنولوجيا في جامعة كينغز كوليدج في هاليفاكس، إن تنبؤ نيوتن "لم يتضمن استخدام أي شيء معقد مثل حساب التفاضل والتكامل، الذي اخترعه، بل كان حسابًا بسيطًا يمكن أن يقوم به طفل".
استخدم نيوتن 1260 و1290 و1335 و2300 يومًا الموجودة في سفر دانيال وسفر الرؤيا، والتي تناقش نهاية وبداية أوقات معينة.
ومع ذلك، فقد رآها بدلاً من ذلك على أنها سنوات باستخدام "مبدأ اليوم مقابل السنة"، وهي طريقة تستخدم لتفسير النبوءات الكتابية التي تنص على أن كلمة "يوم" ترمز إلى سنة.
بحسب سنوبيلين، فإن المسيح والقديسين سيتدخلون في سفر الرؤيا لإقامة مملكة الله العالمية التي ستحكم لمدة 1000 عام على الأرض.
كما اعتقد نيوتن أنه في هذا الوقت تقريبًا، ستسقط الفروع الفاسدة للمسيحية، وسيتم التبشير بالإنجيل الحقيقي علنًا.
قبل المجيء الثاني للمسيح، سيعود اليهود إلى إسرائيل، وفقًا للنبوءة التوراتية، ويعيدون بناء الهيكل.

لكن على الرغم من جهوده للتنبؤ بنهاية العالم، كان نيوتن "حذرًا من تحديد التواريخ النبوية"، و"قلقًا من أن فشل التنبؤات البشرية القابلة للخطأ والمبنية على النبوءة الإلهية سيؤدي إلى تشويه سمعة الكتاب المقدس"، كما كتب سنوبيلين.
بل إن نيوتن شكك في تنبؤه بأن العصر الحالي سينتهي في عام 2060.
وكتب قائلاً: "قد ينتهي الأمر لاحقاً، لكنني لا أرى أي سبب لإنهاءه عاجلاً".
وفي تنبؤ آخر يشير إلى تاريخ 2060، صرح نيوتن قائلاً: "إنني لا أذكر هذا لأؤكد متى سيكون وقت النهاية، ولكن لوضع حد للتخمينات المتهورة للرجال الخياليين الذين يتنبأون في كثير من الأحيان بوقت النهاية، وبذلك يشككون في النبوءات المقدسة كلما فشلت تنبؤاتهم".
"يأتي المسيح كلص في الليل، وليس لنا أن نعرف الأوقات والأزمنة التي وضعها الله في صدره."
قد يبدو اليوم من غير المنطقي أن ينشغل العالم كثيراً بالنبوءات الكتابية.
لكن وفقًا لسنوبلين: "لم يكن نيوتن "عالمًا" بالمعنى [الحديث] لهذا المصطلح. بل كان "فيلسوفًا طبيعيًا".
وأضاف: "لم تقتصر ممارسة الفلسفة الطبيعية من العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر على دراسة الطبيعة فحسب، بل شملت أيضًا دراسة يد الله العاملة في الطبيعة".
بالنسبة لنيوتن، لم يكن هناك حاجز منيع بين الدين وما نسميه الآن بالعلم. طوال حياته الطويلة، سعى نيوتن لاكتشاف حقيقة الله - سواء في الطبيعة أو في الكتب المقدسة.

وتعليقا على ما سبق 

اليوم، العالم لا يبدو في عقد من الاستقرار أو السلام الدائم، بل في مرحلة توترات جيوسياسية متصاعدة على أكثر من محور. لا نتحدث فقط عن نزاع هنا أو حرب هناك، بل عن إعادة تشكيل نظم النفوذ الدولي. الصراع في أوكرانيا لم ينته بعد، وروسيا والغرب يفكران في ما بعد مرحلة الحروب التقليدية، بينما في الشرق الأوسط التوتر بين إيران وإسرائيل يظل عصبًا حساسًا في الاستقرار الإقليمي، وقد يتحول لأي شرارة تؤدي إلى مواجهة أوسع. وفي بحر الصين الجنوبي وبين تايوان، المنافسة بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد لعبة دبلوماسية بل سباق تأثير وتحالفات في آسيا.

التنافس اليوم لا يقتصر على الأسلحة التقليدية وحدها، بل يمتد إلى ما يسمى الحرب غير المرئية: اقتصادات متشابكة تتراجع تحت ضغط العقوبات، سلاح المعلومات، الهجمات السيبرانية، والتحالفات الجديدة التي لا تشبه إلى حد كبير تحالفات الحربين العالميتين السابقتين.

العدد المتزايد من النزاعات المسلّحة في إفريقيا، الشرق الأوسط، وأوروبا، وتنافس القوى الكبرى على الموارد، النفوذ، والتكنولوجيا، والتحالفات، يطرح السؤال القاسي: هل نحن بالفعل داخل مرحلة جديدة من الصراع العالمي، أم أن هذه التحولات ما زالت ضمن سباق قوة معقد وغير متكامل؟ آخر تحليلات المخاطر العالمية لعام 2026 تشير إلى أن العالم يواجه أخطارًا أمنية مركبة تشمل عنفاً متواصلاً وتنافساً بين كبيرين (الغرب والشرق)، ليس في شكل حرب شاملة تقليدية، بل كأزمة مستمرة يمكن أن تتصاعد.

باختصار، لا توجد إجابة حاسمة بأن حربًا عالمية ثالثة “ستبدأ غدًا” أو أن صراعًا نوويًا شاملًا وشيك. لكن التوازن الدولي هش للغاية، والبيئة الدولية تتحرك باتجاه مزيد من الانقسامات والتحالفات المتغيرة، وقد تكون أي اشتباك صغير في منطقة ما كافية لإطلاق سلسلة من الأحداث التي تؤدي إلى تصعيد شامل إذا فشل المجتمع الدولي في إدارة الأزمات ووقف سباق الاستقطاب.

في النهاية، من منظور سياسي بحت، ما يحدث ليس حربًا عالمية بالمعنى التاريخي الذي شهده القرن العشرين، لكنه مرحلة قبل الحرب من حيث التنافس والتصعيد، ونهاية العالم كما نعرفه قد لا تأتي عبر قنبلة نووية واحدة، بل عبر سلسلة من الأزمات المتداخلة التي تسقط توازن النظام الدولي الحالي وتفتح الباب أمام نظام جديد أقل استقرارًا وأكثر انقسامًا.

وأقرأ 
الحياة رحلة عبر محطات التجارب، تصقلنا وتمنحنا البصيرة. أما السياسة، فكثيرًا ما تعكس صراعات المصالح الضيقة، وتحجب الرؤية الأوسع. لكن باستلهام دروس التاريخ، يصبح بمقدورنا استشراف بعض ملامح المستقبل، وإن كانت محتملة لا قطعية. وعليه، لا يجدر بنا أن نستسلم لرهبة الآتي، فالمقدر سيقع بإذن الله، وواجبنا أن نتوكل عليه حق التوكل، وأن نستعد بعقل مفتوح وروح متفائلة لمواجهة ما يحمله الغد.
الحكيم والحياه يحذر وذلك هو القادم
المستقبل ينتظر الإشارة...